Top Ad unit 728 × 90

recent

الزجاجة البغيضة


Sad love

أخطو خطوة نحو الأمام.. وبسرعة أكبر أخطو خطوة أخرى.. وأخرى.. وبسرعة أكبر أجري وأجري.. لكني كنت متسمرا في مكاني عاجزا عن الحركة.. أتعجب وأنا لا زلت أجري كما يخيل إلي.. أتوقف لأستغرب قليلا، فأتذكر طبق السمك المتعفن الذي جعلني أتقيأ الشهية يوما..
تعقد الدهشة لساني في ذلك المكان.. يخترق السكون صراخ رهيب يعتصرني منذرا ببلوغ السهم قلب الحياة.. الحياة التي كنت يوما عبدا لشهواتها..


أسبح في لزوجة غريبة.. أتذكر أغنيتي المفضلة.. "إني أغرق.. أغرق.. أغرق".. يتلاشى كل شيء فجأة .. تتغير الصورة ويتغير معها الإطار.. أهبط كطائرة مروحية في عالم جديد.. ضحكتها الرنانة تزيدني اختناقا.. "كفى.. كفى.. لم أعد أحتمل.. قلبي المحب سينفجر".. تتوقف الضحكة، وتتبدل العوالم، وتختفي الحبيبة الساخرة.. يحيط بي جو ملتهب تشتعل قدماي الحافيتين على رماله المحرقة.. أتقدم بعياء وعطش نحو المجهول.. الطيور الصغيرة تمرق من فوقي مذكرة بمرحلة الشباب الخاطف.. ماذا لو كنت مثلها حرا طليقا في الفضاء بلا أحزان ولا ذنوب.. تنسكب الدموع في فراغات الأحزان.. ويعتصرني الندم بقبضتيه الشديدتين.. توقفن عن الضحك.. توقفن.. تبا لكن.. لم أعد أحتملكن.. أكرهكن.. ليتني رميت بكن في هوة النسيان.. ليتني استغنيت عن الحرام بالحلال.. كفى.. توقفن.. لم أعد أحتمل.. لم أعد أطيق..


لطالما حجب بريق الشهوات عني نور الحق وأغرقني في ظلمات الضياع.. إنهن يسخرن مني.. الجميلات اللواتي أعطيتهن كل شيء حتى شرفي وكرامتي، يسخرن مني.. كفوا عن الضحك.. تبا لكن توقفن.. كفى..
كم كنت مخدوعا عندما تصورت أن في الحرام غنى وراحة نفس.. كم توهمت أن بإمكان الحب الغير مشروع أن يدوم  إلى الأبد.. أن يستمر الإستمتاع بالوجوه الجميلة والأجساد المغرية إلى الأبد .. لكن الضلال ألقى بظلاله القاتمة على عالمي الصغير فسكنته أشباح الغريزة التي لا ترحم..


إن ألوان اللوحة المنسابة تختلط ببعضها البعض.. إن العوالم تتبدل.. ها أنذا في مستقبل جديد.. مقيد إلى صخرة مكتوب عليها "شهوتك المتفلتة".. هل هي النهاية؟
لم أمانع يوما عندما احتضنتني الشهوة المحرمة، وقبلتني الشفاه المذنبة ببرودها..
لم أقاوم عندما همست في أذني بإغراء "أطلق لشهوتك العنان.. بعد دفع المطلوب طبعا"..


تبدلت العوالم وتغيرت الألوان.. ها أنذا الآن نزيل زنزانة كُتب عليها "النهاية"!.. هل هو الموت؟ ذلك الشيء الذي كنت اعده كالشائعة ولا أحسب له أدنى حساب! مهلا ماذا أرى: "نهايتك بعد خمس دقائق عندما ينفد الهواء".. استخدم قنينة الأمل المعلقة على الجدار، وتذكر أنها لن تمنحك أكثر مما منحتك الحياة"..
يا إلهي هل هو الوداع؟ وضعت القنينة على ظهري بإجهاد، ورميت بطرف أنبوبها الطويل في حلقي والتهمت ما فيها من أكسجين.. رائحتها الجميلة تذكرني بعطر الإستقامة الذي سكبت على أرصفة الشيطان.. لقد أصبحت النهاية قريبة، لكني لن أسمح لها بأن تسرق آخر آمالي.. لن أسمح بأن تحرمني من التوبة..


إن الهواء ينفد بسرعة.. أصبح الرحيل والحساب الذي يليه، قريبين.. إنني أختنق.. أختنق.. أختنق.. أغرق.. أغرق.. أغرق.. أستنشق محتوى القينة بلهفة.. أغمض عيناي باستكانة.. انتظر معجزة تعطيني فرصة أخرى.. ولكن هيهات ربما حان القضاء فضاق الفضاء.. انتفضت مثل الملبوس عندما أحسست بتنكر أنفاسي لي.. تراقص العبث أمامي كسراب ساخر من غبائي، وتعالت ضحكاتهن الماجنة الشامتة.. ما أبشعهن من فاسدات اعتبرتهن يوما كل شيء وضحيت بكل شيء حتى استقامتي من أجلهن.. توقفن عن الضحك أيها القذرات.. توقفن عن الضحك.. كفى.. كفى.. لم أعد احتمل.. لم أعد احتمل.. تبا لكن.. ليتني أقدر على استبدال حرامكن القذر بالحلال الطيب.. ليتني أحصل على فرصة أخرى لأحتضنه وأستغني به عن جنود الشيطان..


انتفض جسدي انتفاضة أخيرة.. ثم سكن سكونه الأخيــ... مهلا.. تعالى رنين غريب.. ما هذا؟ آه.. إنه المنبه المزعج.. غير معقول.. إنها الخامسة والنصف صباحا موعد صلاة الفجر.. فتحت عيني برعب.. وسحبت ما في الحجرة من هواء لأستنشقه.. إنها فرصة جديدة.. لقد حصلت على فرصة طيبة.. لقد حصلت على قنينة أخرى..
ولكن ما الذي تفعله زجاجة المنكر البغيضة على المنضدة.. آه.. لقد نسيت.. هي التي سلبتني عقلي البارحة حتى ضبطت المنبه على موعد صلاة الفجر لأول مرة..

الزجاجة البغيضة Reviewed by sidi on مارس 26, 2022 Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

All Rights Reserved by أكاديمية الملخصات © 2014 - 2015
Powered By Blogger, Designed by Sweetheme

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.